موضوع: التــراث الأمازيغـــي المغربـــي.......................... السبت أبريل 26, 2008 5:27 pm
يسرني أن أحاول إعطاء فكرة عن التراث الأمازيغي وهو بحث من نتاجي الخاص كنت قد تقدّمت به لأجل تقديمه بندوة خاصة ببلجيكا أتمنى الاطلاع عليه وأخذ ولو نبذة عن الفكر الأمازيغي وتراثه العريقيـن اللذين استوطنـا شمال إفريقيــــــا قبل دخول الإسلام..
مقدمــــة : مدخل عـــام عن التاريـخ المغربـي وتراثـه (شمال افريقي) المحور الأول : القيم والمحافظة على المقومات الأمازيغيـة 1 - الخصال المميـزة للأمازيغييـن 2 - المعمـار الأمازيغـــــــي المحور الثاني : المـــرأة الأمازيغيــــــة 1 - المرأة داخل المجتمعات الأمازيغية 2 - المرأة الأمازيغيـة وتقسيـم العمـل 3 - المرأة الأمازيغيـة والفعل السياسـي 4 - شجاعة المرأة الأمازيغية وجرأتهــا 5 - المرأة الأمازيغيـة والجمـــــال : أولا : المرأة واللبـــــــاس ثانيا : المرأة والشعـــــــر ثالثا : المرأة والوشـــــــم المحور الثالث : الشعــر الأمازيغـــــــــي أولا : الشعـر والمقاومـــة ثانيا : الفن الأمازيغي بالريف
مدخل عام عن التاريخ المغربي وتراثه : (شمال افريقي)
إذا حاولنا التوغل إلى أعماق التاريخ المغربـي وجذوره وتحدثنا عن أمجاده وأحداثه المتتالية و وقائعـه سنكتشف أنه تراث عريق وأصيل يعود إلى آلاف السنين ويمتـد إلى الأزمنة الأسطورية حيث كان كل شيء يفسـر تفسيرا أسطوريا إلى حدود الأزمنة المعاصرة حيث وقف الإنسان المغربـي ندا للنـد مع باقي الشعوب العالمية، وسـاهم بقسط وافر في بنـاء الحضارة الإنسانية . وإذا كان الإنسان كـذات تتقاسمها ثلاثة أجزاء هي الروح والعقل والجسـد، فإنها قد تكون نفسها المراحـل التي مر منها التفكير المغربي حيث في مراحلـه الأولى ظل يولـي أهمية كبرى للجانب الروحـي فأصبح كل شيء من مكونات الطبيعة يفسـر تفسيرا أسطوريا، فأصل الكون كما كان يرى الأمازيـغ يأتي من الزواج المبارك بين الأرض (آكـال) والسماء (آيكنـا) فمنها خرج الإنسان وباقي الكائنات منهم الأخيـار كما الأشرار، مما خلق صراعـا بين الخير والشـر ليتقدم الإنسان من اعتماده على الأسطورة أو الروح إلى إيـلاء العقل دور المفسر فأصبح كل شيء غامض من اختصاص العقل، يزيـل عنه اللبس، ففكـر الإنسان المغربي أول ما فكر في الإستقرار فشيد القصور (إيغرمان) وأسس المؤسسات والإدارات وخلق لنفسـه تنظيما محكمـا من خلال تسطير قوانين (إيزرفان) أخذت على عاتقهـا تكريم الذات الإنسانية وكم هي كثيرة ملامح هذا القانون في العرف الأمازيغـي ويكفي التذكير هنا بما منحـه للمرأة - باعتبارها كائنا انسانيـا كاملا - من اهتمام، وما يؤكد هذا هو ما تحصل عليه المرأة من الرجل في حالة الطلاق (لاقدر الله) أي نصف ما أدركته معه بعد مجيئها، هذا ما سماه العـرف الأمازيغي بـ (تازلا) فكان هذا العرف يهتم كثيرا بالإنسان الذي كان يتحمل المسؤولية إلا بتوفر شروط أولها العقـل صاحب هذا الإنجاز ثم القدرة والإستطاعة والخبرة، ثم الجسـد، ولم لا العلم، فإذا كان الإنسان المغربي مايزال يولي العقـل كبير الإهتمام فإنما هذا راجع إلى كون العلم عنـده لن يأتي إلا عن .....
... / ... تابــــع
عدل سابقا من قبل * فارسة * في السبت أبريل 26, 2008 5:32 pm عدل 1 مرات
طريق العقل، وكم جميل أن يدرك الإنسان المغربي المعاصـر بأنه كان في يوم من الأيـام يعلم علم البحـار والفلك بل وحتى الطب، وقد أبـدع الإنسان الأمازيغي خاصة والمغربي بصفـة عامة على مستوى الأدب والعادات … إبداع نجده موزعـا على الأشكـال التراثيـة من موسيقى وأدب ... إلى غير ذلك، ولولا التراث الشعبـي لما كانت لدينا شخصيات أدبية عالمية من مثـل: (لوكيوس - أبوليوس ..)" (1) وعلى هذا الأساس فإننـا نستنتج أن عراقـة التراث المغربي تنـم على أصالة شعبـه وخلوده، وتمسكـه بتقاليده المنبثقة من أعمـاق حياته اليومية وجدورهـا . ومعلـوم أن شمال افريقيا عمومـا والمغرب على الخصوص عرف تعاقب حضارات عدة أثرت في الإنسان المغربي كما أبدع فيها واضعـا بصماته في قلب تلك الحضارات، وبتميزه عن باقي الأقطار الأخرى باحتلاله لموقعه الجغرافي وتمكنـه من احتـلال الموقـع الذي جعلــه على رأس القـارة الإفريقيـة لهـو دليـل علـى كونه كان صلـة الوصل بين قارتيـن وبالتالي سلسلة متجانسـة تربط بين حضارتيـن -أقول- بتميزه هـذا ورغم رسـو أكثر من جنـس على أرضه سـواء عدنا إلى عصـوره القديمة أو التي تلـت الإستعمار، سنجد بالتالي أن التاريخ المغربي لم يتزحزح من مكانـه واستطاعت التقاليـد البقاء والرسوخ نظرا لتشبث المغربـي بها والحفاظ عليها لإنها كانت جـزءا هاما من حياتـه اليومية التي تجسد هويته الأصلية. وقد ذكر الأستاذ (شارل آندري جوليـان) في كتابه (حول تاريخ إفريقيا الشمالية) بهذا الخصوص: "لقد شكلت الحضارات المتعاقبـة الواردة من الخارج مجرد ألبسـة بقي جسمه و روحـه تحتها مماثلين لذاتهما …" (2) وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن الإنسان المغربي صائـن ومقدس لتراثه وحافظ على تقاليـده من كل التقلبات التي يمكن أن تمحوهـا. إن التراث واللغة والثقافـة الأمازيغية تشكل ثالوثـا أساسيا مركبـا للهوية المغربية والذي برهنت عليه مختلف الدراسات والأبحاث التاريخيـة.
والأمازيغية هي ذات تاريخ بعيد وطويل يفوق 50 قرنـا (3)، صمد منذ آلاف السنين أمام توافد لامحدود لثقافات ولغـات كثيرة على أرضه، وبقيت متحديـة منافسيها صامدة وحيـة . إن اللغة والثقافة الأمازيغيتين من مرتكزات تاريخنـا الوطني، فهي لغة مجموعة من الأبطـال الحقيقيين الذين صنعـوا التاريخ المجيد لهذا الوطن وكتبوا حروفه بدمائهم، بانتصاراتهم وأمجادهم، بدءا بـ (تيهيـا) الأوراسية المقاومة للغـزو الأموي للشمال الإفريقي، والملك (ماسينيسـا) صاحب نداء "افريقيا للأفارقة" (4) و(يوكرتـن) المسمى (يوغرطة) و (يوبـا) صاحب أعظم مكتبة وموسوعـة في التاريخ "ليبيكـا" (5). لذا فإن الإهتمام باللغة والثقافة الأمازيغيتين هو تكريـم لتاريخنا المجيد وأبطاله الحقيقيين الذين استرخصوا حياتهم ودماءهـم، وجاهدوا في ساحات الحروب ضد المستعمر، قصـدا منهم في تحرير بلادهم واستقلالهـا الكامل، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على عراقة هذا الشعب وتوفـره على كنوز قادرة على جعلـه من أرقى الدول وكذا قبلـة للباحثين والـــــزوار.
1 - الخصـال المميزة للأمازيغيين :
" منذ فجر التاريخ، ظل الأمازيغي حاضرا بقوة قيمـه، وظل همـه الأول الذود والدفاع عن منطقة "تامزغا"، حيث تنبت الحريـة والنبـل والشجاعة … وعلى مر الحقب التاريخية بقـي الأمازيغ الأحرار، الذين لا يعرفون للحرية طعمـا إلا من خلال الحرية، ولا يدركون لها مسلكا غير مسلك الحرية، بقي الأمازيـغ صامدون ويكافحون في سبيل أرضهم و وجودهم وحريتهم، ومن شدة تعلق إيمازيغن بالحرية، فإنهم أطلقوا على أنفسهـم هذا الإسم الذي يعني الإنسان الحر النبيـل، وفي سبيـل هاته الحرية، خاض إيمازيغـن معارك الموت، حتى أن الملك الأمازيغي (يوبا الثاني) قال وهو في طريقه إلى جبهة القتال: ( إما أن أكون وإما لا أكون) وكان يقصد من ذلك أنـه إذا انتصـر
... / ... يتبـع
عدل سابقا من قبل * فارسة * في السبت أبريل 26, 2008 5:38 pm عدل 1 مرات
فإنه سيعيش حرا، وإذا انهزم فأحسن له أن لا يكون. وعلى أساس هذه القاعدة، وبحسب طبيعة كل فترة تاريخية، ظلت معارك الموت من أجل الكرامة والحرية والهوية، تتجدد، وظل الأمازيغي يتفاعل مع التاريخ، دون أن يفقد من جوهره ولو الشـيء القليل، وهو ما جعله محط أعين مختلف الأجناس التي عاصرتـه، ولم يثبت تاريخيا أن إيمازيغـن ساوموا على حساب حريتهـم وهويتهم وكرامتهم، ولم يثبت أنهم كانوا يقفون موقف العاجز عن الدفاع عن نفسـه، كلما داهمه الخطر الأجنبـي، ومن أجل ذلك كانوا يصنعون في سبيل استقلالهم ملاحم ومعارك قـل نظيرها في التاريخ وظل بذلك الشعب الأمازيغـي نموذج الشعب الذي يستطيع أن يموت في سبيل وطنـه وحريته وكيانه..(6) لذلك فقد شغل أمر الأمازيغيين كل الباحثين، وكان من بين هؤلاء العلماء العالم والمؤرخ ابن خلدون الذي دون أخبار الأمازيغ وأصلهـم، وقد ميزهم في الفصل الثالث من كتابه الذي خصصه لذكر ما كان لهم قديمـا وحديثا من الفضائل الإنسانية والخصال الشريفـة الراقية بهم إلى مراتب العز بعدما ذكر نسبهم وعاداتهـم،أما أخلاقهم الطيبة وتخلقهـم بالفضائل الإنسانية وتنافسهم في الخصال، والرفعة بين الأمـم، والوفاء بالقول والعهـد، والتجافي من الإنتقام، ورحمـة المسكين، وبـر الكبير، وتوقيـر أهل العلم والمعرفـة، وقرب الضعيف، والإعانة على النوائب، وعلو الهمـة. (7) فهذه الخصال الإنسانية الحميـدة وجدت في شمال إفريقيا قبل أن دخلها الإسـلام، وتمسكت بها بلاد تامزغـا، حيث أن قادة الأمازيغيين لم يكونوا مستعمرين ولا مستبديـن، فسخروا شجاعتهم لنصرة المظلوم ومحاربة المستعمر ورفـع الحيف عن المستضعفين، وكان أول زعيم هزم الفراعنة الذين كانوا حينذاك رمزا للدكتاتورية هو الزعيم الأمازيغي الملك (شنشيقـا) والذي أسس على غرار ذلك المملكـة الثانية والعشرون الفرعونية (950 ق.م) (، وكان من أبرز الملوك الذين ظهروا بعـده الملـك
(ماسينيسـا) ثم (يوغرطـا) بشجاعتهم وبسالتهـم وتواضعهـم وسلوكهم الطيب مع الناس، كذلك أبناء هذا الأخير (ميسيبيسـا) (كلوصـا) و(مسطنبـال) … والتشبث بالأمازيغيـة الحرة لغة وهويـة لهو خير دليل على نضالنـا من أجل ثقافتنـا التي هي جزء لايتجزأ من خصالنا المميزة، والتاريخ نفسه يبرهـن على ذلك نظرا لأن الأمازيغ بتسلحهـم بشجاعتهم وأخلاقهم العالية، استطاعوا عبور جبل طارق للمرور إلى إسبانيا دون عنـاء يذكر وبفضل الأمازيغي (طارق بن زياد) تم فتح الأندلس والذي تزعم جيشا لايزيد عدد فرسانـه عن اثني عشر ألف فارس كلهم من الأمازيغ، وهذا الإسـم (أي طارق ابن زياد) كان ولايزال يدل على قصة الوجود الأمازيغي مدة ثمانيـة قرون بالأندلس، وما حققه من معجزات في ميدان الحضارة والفكر (9)، ونتيجة لانحراف العرب وفساد أخلاقهـم الدينيـة حيث اتبعوا شهواتهم وبالغـوا بجبروتهم تـم طردهم من إسبانيـا كلها ليعودوا إلى المغرب، وتـم استغلال هذا الموقف ليستعمروا من قبل الإسبـان، وهنا تدخل الأمازيغ مرة أخـرى، وبزغ المناضلون الأمازيغيون المعروفون بالشجاعة والبسالة والدفاع عن أرضهم من كل غاصب أمثال بطل الريف الأول الشريف سيدي محمد أمزيان الذي عرف بالعظمـة والشهامة والإحترام "كما كان للشريف من السمعة الحسنـة والأخلاق الكريمة الطيبة في الأوساط الريفيـة، و لاحترام القبائل للشريف كان يأتي إليه عدد من المسافريـن للقطر الجزائري يسيـرون في ركابه، وتحت حرمتـه إلى أن يدخلهم للقطر الجزائري سالميـن دون أن يلحقهم أي أذى، ويرجع بالجماعة الأخرى، وكان مروره في قبيلة كبدانـة وكان الكبدانيون يتفانون في حبـه وهبوا له أملاكا وأراضـي واسعة الأطراف في (رأس الماء) وغيرها و زوجوه وله أحفاد من ذريتـه يوجدون في دراهم القديمة بأزغنغــان .(10)
وقد حارب الإسبان وألحق بهم خسائـر فادحة في العتاد والأرواح دفاعـا عن أرضه الشريفة إلى آخر رمـق من حياته إلى أن تم استشهاده سنة 1912، وقد عقبــه
صفحة "6"
الأسطورة الأمازيغي الريفي سيدي عبد الكريم الخطابي وأبنائه محمد الكبير وامحمد الصغيـر، تلك الأسماء الثلاثة التي تدل عند العالـم أجمع على حرب التحرير الريفية بخوارقهـا الباهرة وانتصاراتهـا الأسطوريـة، التي يصعب على الفكر تصديقهـا مهما استسلم للوهم وأغرق في الخيـال،وما يعبر عنه كل ذلك من رفض بـات للوجود الأجنبي في المغرب بأي وجـه وعلى أي حـال.(11) فالمناضل محمد بن عبد الكريم الخطابي تميز هو الآخر بخصاله الحميدة التي ورثها عن أجداده الأمازيغ كالشجاعة وحب الوطن كما كان محبـا للسلام ينبـذ إراقة الدمـاء، فكان قبل الخوض في أي معركة مع الإسبان يحاول دائمـا إيجاد حل سلمـي، حقنـا لدماء الجانبين المغاربة والإسبان، وهذا ما كان عليه أجدادنا الحريصين على الحق في الحياة،" وقد كان يأسف للضحايـا التي كانت تسقط كل يوم من الجانبين خاصة وأنه كانت له قناعة تامـة في إمكانية التفاهم والتعاون دون إطلاق رصاصة واحدة، وكانت لديه رؤية واضحة في النموذج المثالي للتعاون دون الإحتلال العسكري، وبدلا من أن يتفهـم المسؤولون الإسبان في ذلك الوقت منطقه كداعيـة للسلام و التعاون ، حاولـوا استمالتـه إلى جانبهم و إلى منطقتهم بإغرائـه ببعـض المناصب حتى أنهم وعدوه بحكم الريف بعد احتلالهم له، وكان عبد الكريم الخطابي من جانبه يحاول أن يقنعهم باستعداده التعاون معهم بل وإعطائهـم حق الدولة الأكثر رعايـة إذا اقتنـع بنواياهـم الطيبة التي تتمثل في نظـره الحفاظ على حريـة الريف واستقلالـه، فهو يرفض أي امتياز شخصي حيث أنه على يقيـن بأن ذلك لن يفيد في شيء، أما استعـداده للتعاون مع الإسبـان فهو مرتبـط مباشرة برغبته في مساعـدة أهل الريف في الحفاظ على استقلالهـم وحريتهم ومواردهـم الطبيعية مع قيام تعاون فنـي وسلمـي مع الإسبان بما يكفل مصلحة الطرفين، وقد كـرر عبد الكريم الخطابي هذه الرسالة للإسبان باستمرار عن طريق الجنرال (كاسترو جيرون) وغيره ممن كان يتصل بهم في مليليـة .
ولم يتخلـى عبد الكريم الخطابي عن هذه العقيدة منذ البدايـة وحتى آخـر حياته والمتمثلة في إمكانية وحتمية التعاون السلمي كنموذج للإستعمار الذي يعنـي التعمير وليس الإحتلال العسكري، وذلك بالرغم من كل الصدمـات المخيبة للآمال التي طالما لاقاهـا، فكان يشعر بالأسـى والأسف على الخسائر البشرية والدمار الذي تسببه الحروب، وأكبر دليل على ذلك أنه حتى بعد أن سجنه الإسبان في مليلية لمدة تسعة أشهـر وكسر ساقـه إثر محاولته للهرب إلا أنه عـاد بعد سنتين فقط ليحاول من جديد فتح حوار بنـاء لإرساء قواعد للتعاون السلمي عوضا عن الإحتلال العسكري واستعراض القوة، إيمانـا منه بحتمية هذا التعاون ليس لشعبـه فقط وإنما لكل شعوب المنطقة وللعالم أجمع (12)، وقد أرسل عبد الكريم الخطابي الصحفي الإسبانـي(أرتيخوك) إلى الجنرال (سلفيستـر) لاستعداده التام للتعاون شريطة عدم الإحتلال العسكري، وبـاءت محاولته في التعايش السلمي مع الإسبان بالفشل وهنا طبق المثل القائل الهجوم خير وسيلة للدفاع، وكانت انتصاراته متوالية غير أن قوله الذي عرف به والذي كان دائما يكرره: " أي انتصار هذا الذي يستحق أن يقـال عنه انتصارا إذا كان الطريق إليه يمر على جثث الأطفال والشيوخ الأبرياء، وهذا عار على القيم الإنسانيـة (13). هذه هي عقيدة عبد الكريم الأساسية في السلام ليس في حوض البحر الأبيض المتوسط، بل كمبدأ عالمي لابد أن يسود، وبذلك كان عبد الكريم سابقا لعصره في إرساء المبادئ التي ينـادي بها المجتمع الدولي الآن وهو حل الخلافـات عن طريق الحوار السلمي ونبـذ الحروب كوسيلة للتفاهم ومراعاة حقوق الإنسان. "فعبد الكريـم الخطابي انتصر لمبادئه النبيلة والقيم وبالخيار السلمي حقنـا للدماء، وهو ما أوصلنا إلى مرتبة أفضل الشعوب عبر التاريـخ."(14)
2 - المعمار الأمازيغي والحفاظ على المقومات الأمازيغية :
ان الثروة الثقافيـة للشعب الأمازيغي غنية ولايمكـن حصرها في قالب واحد خـاص بل تتعدى ذلك لتعبر عن شخصية الإنسـان الأمازيغي الذي كان من أكثـر
الشعوب تقدمـا في جميع المجالات. وقد كان أول معرفة عرفهـا الإنسان الأمازيغي هي معرفته بالأرض وكان ولايزال يولي الإهتمـام للزراعة والإعتناية بأرضه التي يعتبرهـا مقدسة تعبـر عن شرفه وأهله وعشيرته،"فاستغـل المياه وحاول تطوير مجال تنظيم مياه الـري كي يستفيد كل مزارع بحصتـه من الماء سواء كان مصرها (آنـزار) الشتاء أو العين، فتابع مسيرتها عبر الأنهـار، وحفر القنوات وكذا البحيرات التليـة وقسمهـا (أي المياه) بطريقة عادلة في إطار ما يعرف بـ (تيطـي وامان) وما تزال هاته الطريقة معمولا بها في بعض المناطق، هذا على مستوى السهل، أما على مستوى الجبال فإنه شيد الآبـار (آنوثـن)، ورغبة منه في التحكم في تصريف المياه بنـى السدود".(15) وعلاوة على ذلك، فإن الأمازيغ ورغم عدم تدوينهم لماضيهم، فإنهم قد كسبوا قيمة كبرى يعترف بها أكثر من أخصائـي حيث أنهم أبدعوا في مجالات عدة من ضمنها المعمـار الذي تبقى مآثره وبقاياه معاندة للزمن، شاهدة على عظمة من خلفوهـا. ويلاحظ أنه في مجال المعمار الأمازيغـي تستأثر الأضرحة والقبور باهتمـام الدارسين، ويؤكدون انتماءهـا رغم انتشارها الواسع إلى منظومة ثقافيـة واحدة، وهيمنة العمارة الجنائزية تطرح تساؤلات عديدة، وللأستاذ شفيق فرضية في هذا الصدد مفادها أن سكان إفريقيا الشمالية والصحراء الكبرى كانوا في بدايتهم يعتمـدون الإنتجاع والترحال، ولم تكن لهم مساكن قـارة، وشعروا في مرحلة من تطورهم عند دفن موتاهم بضرورة تعليم (أي وضع علامة عليه) مكان الدفن حتى يبقى ظاهـر العيان، فراكموا الدفن ركامـا من الحجارة، وكان ذلك أول عهدهم بالبنـاء، فشيدوا مراكز وتجمعات سكنية دشنوا بها التمـدن والإستقرار وبلوروا ثقافة معمارية غاية في البراعة والإتقان تضاهـي ما وصلت إليه كبريات المدن القديمة. وهذا ما يظهر جليا في الأسوار التي نعاينها بغالبية مدننـا العتيقة، كما أن الصوامع والمساجد والمنارات ومجاري المياه والسواقي والقناطر بالشكل التي بنيت بـه في